عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

299

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

وأحوالا لولا أنه كان يمسكه عند ذلك سبعة من الرجال الأقوياء لهام ورمى نفسه في المهالك ، وحين رأى النور وجد ضعفا ، وسألني أي الحالين أفضل ، فقلت هذا شئ لم يبلغه حالي فكيف أتكلم في شئ لا أعرفه ؟ وأنشد بعضهم : سقونى وقالوا لا تغن ولو سقوا * جبال حنين ما سقونى لغنت * قلت : والظاهر واللّه أعلم أن رؤية النور المذكور من قبيل المعرفة ، وشرب الخمر المذكور من قبيل المحبة ، والمعرفة أفضل من المحبة عند الأكثرين من شيوخ الطريق أهل التحقيق . وقال سمنون المحب في المحبة أفضل وقال : ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة لقوله صلّى اللّه عليه وسلم « المرء مع من أحب » قال العارفون : المحبة استهلاك في لذة ، والمعرفة شهود في حيرة وفناء في هيبة . وقال الشبلي رضي اللّه عنه : المحب إن سكت هلك ، والعارف إن لم يسكت هلك . وقال أبو يزيد رضي اللّه عنه : العارف طيار ، والزاهد سيار . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه عنه : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت ، فلا يبقى لك منك شئ . ( الحكاية السادسة والأربعون بعد الثلاثة مئة عن أبي الربيع المالقى ) قال الشيخ أبو الربيع المالقى رضي اللّه تعالى عنه : كنت ليلة في المسجد مع الشيخ أبى محمد سيد بن علي الفخار رضي اللّه تعالى عنه ، وكان من أدبى معه أن لا أقوم لوردى حتى يقوم ، فقام ليلة وتوضأ وأنا مستيقظ في مضجعى ، ثم استقبل القبلة وقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ثم أخذ في ورده يتلو القرآن ، فرأيت الحائط قد انشق وخرج منه شخص بيده زبدية بيضاء فيها شهد أبيض ، فكلما فتح فمه لقمه ذلك الشخص لقمة من ذلك الشهد ، فتعجبت مما رأيت ، فاشتغلت به عن وردى ، فلما أصبحت قلت يا سيدي رأيت كذا وكذا ، فذرفت عيناه بالدموع وقال لي ذاك طيب القرآن يا أبا سليمان . ( الحكاية السابعة والأربعون بعد الثلاث مئة : عن إبراهيم بن أدهم رضي اللّه تعالى عنه ) قال : أتيت بعض البلاد ، فنزلت في مسجد ، فلما كان العشاء الأخيرة وصلينا أتى إمام المسجد بعد انصراف الناس ، فقال قم فأخرج حتى أغلق الباب ، فقلت أنا رجل غريب أبيت ههنا ، فقال الغرباء يسرقون القناديل والحصر ، فلا نترك أحدا يبيت فيه ولو كان إبراهم بن أدهم ، قلت له أنا